مقدمة: نذر العاصفة والهروب الكبير
نحن الآن نعيش لحظات فارقة، لحظات يتوقف فيها الزمن لنشاهد فيها بيانات الإجلاء والتحذيرات المتلاحقة التي تصدر من عواصم القرار العالمي. من رسالة السفير الأمريكي لدى الكيان، "هاكابي"، التي تحمل في طياتها ما هو أكثر من مجرد دبلوماسية، إلى تنبيهات الصين الصارمة لرعاياها بضرورة الابتعاد عن إيران والمنطقة المشتعلة. إننا لسنا أمام مجرد "أزمة ديبلوماسية"، بل أمام مشهد يوحي بأن الشرق الأوسط يُدفع دفعاً نحو حافة "الملحمة الكبرى".
استشعار روح العصر: زمن تكدّس السلاح
المسألة اليوم ليست مجرد قراءة خبر عابر في نشرة أخبار سريعة، بل هي استشعار حقيقي لروح هذا العصر؛ عصر يتكدّس فيه السلاح في المستودعات، وتُشحذ فيه الخطابات المسمومة، ويُعاد فيه رسم الخرائط وترتيب النفوذ على وقع طبول الحرب التي لم تهدأ. في هذه اللحظات، حين يرى الإنسان الدمار يلوح في الأفق، يتسلل إلى النفس ذلك السؤال الوجودي الأول الذي طرحته الملائكة يوماً بحضرة الخالق: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”. كأن المشهد الحالي، بكل ما فيه من جحود وتوحش، يعيد إنتاج الحجة نفسها، وبذات التفاصيل التي شهدها التاريخ منذ فجره الأول.
جحود الإنسان: السلام المغلف بالنار
كم في هذا الإنسان من جحود وتناقض! إنه يدمر المدن باسم "الأمن"، ويغزو الشعوب باسم "السلام"، ويشعل النار في كل زاوية، ثم يقف بكل وقاحة واعظاً فوق الرماد، يتحدث عن الأخلاق والقوانين الدولية. هذه الازدواجية هي التي أوصلت المنطقة إلى طريق مسدود، حيث أصبح السلاح هو اللغة الوحيدة المفهومة، وحيث ضاعت كرامة الإنسان تحت عجلات حاملات الطائرات والآليات العسكرية.
الحقيقة الكبرى: إرادة الله فوق الجميع
لكن، ووسط هذا الضجيج العسكري وهذا الرعب الذي تحاول بيانات الإجلاء زرعه في القلوب، تظل هناك حقيقة كبرى وصامدة: إرادة الله ماضية. هذه الإرادة لا يردها تحالف دولي مهما بلغت قوته، ولا يغير مجراها بيان إخلاء عاجل، ولا توقفها أضخم حاملات الطائرات التي تمخر عباب البحار. إن القوة المادية، مهما تعاظمت، تظل هشة أمام تقدير العزيز العليم.
إن الناظر بـ "عين اليقين" يدرك أن النهايات ليست ملكاً للفاسقين، ولا هي ملك لمن يمتلكون زر الإطلاق أو يتحكمون في مسارات المال والسلاح. التاريخ يعلمنا أن الطغاة يرحلون، والخرائط تتغير، لكن الأرض ومن عليها في قبضة الخالق وحده.
خاتمة: العاقبة للمتقين
لقد تزيّنت العاقبة، ولبست ثوبها الطاهر لـ تُزفّ في نهاية المطاف للمتقين، الصابرين الذين لم يفقدوا إيمانهم وسط عواصف السياسة والحروب. إنها الثقة المطلقة بوعد الله الذي لا يتخلف، مصداقاً لقوله تعالى: "والعاقبة للمتقين". فبينما يستعد العالم لـ "ملحمته" المادية، يستعد المؤمن بقلبه لـ "يقينه" الإيماني، مدركاً أن بعد كل هذا الظلام فجراً صادقاً يعيد الحق لأصحابه.
