هكذا انتصر أردوغان على العلمانية في تركيا



يكرس الدستور التركي الذي وضع عام 1981، العلمانية وذلك في المواد الثلاثة الأولى منه، وهي المواد التي يجب عدم المساس بها وفق المادة الرابعة من الدستور.

وللعلمانية مفاهيم وتفسيرات متعددة هنا وهناك، تكاد أن تكون محاربة كاملة للدين وفصله بسلبية كبيرة عن الدولة، وهذا ما كان واقعا في تركيا خلال العقود الماضية.

حيث كانت العلمانية بمفهومها الغربي، غطاء لمحاربة الدين والمتدينين وسلخ المجتمع المسلم عن تاريخه الإسلامي المشرف.. حتى أتى حزب العدالة والتنمية ومؤسسه رجب طيب أردوغان بمفهوم جديد للعلمانية استطاع أن يقتلع هذا الغطاء ويبدأ مسيرة إعادة الأصل لأصله.

حقيقة، إن المفهوم الجديد للعلمانية الذي أتى به حزب العدالة والتنمية وبالتحديد مؤسس الحزب رجب طيب أردوغان لا يتعارض مع أصول الإسلام، بل يحمي هذه الأصول من أن تكون أداة سياسية لخدمة السلطة، أو من أن يكون لأي سلطة استبدادية توجهات تحارب من خلالها الإسلام وتقمع أهله.

مفهوم العلمانية الذي أتى به أردوغان، مخالف كليا لمفهوم العلمانية في الغرب، والذي تحكم بتركيا لعقود ماضية.. نعم الكلمة نفسها ولكن بمفهومين مختلفين.

مفهوم العلمانية لدى حزب العدالة والتنمية وبالتحديد وأردوغان هي معيشة كل المجموعات الدينية والفكرية بالطريقة التي يريدونها وقولهم لأفكارهم كما يؤمنون بها، وقيام الدولة بتأمين كل المعتقدات.

وضمن هذا المفهوم، فإن الأفراد لا يمكن أن يكونوا علمانيين، فقط الدولة يمكن أن تكون علمانية أي ترفع من مفهوم التسامح مع المعتقدات كافة والوقوف على مسافة واحدة من المعتقدات كافة.

ماذا يعني هذا الأمر، أن الأفراد لا يمكن أن يكونوا علمانيين، فقط الدولة يمكن أن تكون علمانية.. أي أنه من حق الفرد في الدولة أن ينتسب لأي دين أو أي معتقد أو أي فكر أو أي توجه، فمن حقه أن يقول أنا مسلم أو مسيحي أو يهودي، ولا يحق له أن يقول أنا علماني لأن العلمانية ليست دينا أو معتقدا، إنما هي جزء من منظومة الحكم، وهي شأن خاص بالدولة تحترم من خلاله كافة معتقدات الآخرين.

نعم.. في ظل العلمانية المتطرفة الرافضة للدين وأصوله، والتي كانت تحكم تركيا، ومازالت بعض آثارها موجودة حتى اليوم، كان لابد من ذكاء وهدوء بمواجهتها بعيدا عن العواطف والتسرع والانسياق للشعارات الرنانة، فأتت فئة من المجتمع التركي أبقت على الكلمة بكل حروفها، ولكنها غيرت مفهومها.

وبالفعل نجح نموذج حزب العدالة والتنمية تجاه العلمانية، في حين فشلت نماذج أخرى، فهو لم يستخدم العنف ولم يستخدم مفهوم قمع الآخر كما فعل الكثيرون هنا وهناك.. وفشلوا في نهاية المطاف، بل أصبحوا منبوذين في مجتمعاتهم.

من يراجع التاريخ يجد أن العلمانية بمفهومها المتطرف الغربي، أتت ردا على هيمنة الكنيسة على السلطة في الغرب، ولم تكن هذه الهيمنة هيمنة إيجابية على الإطلاق، فأتت العلمانية متطرفة كارهة لكل ما هو ديني، ونجحت فعلا بفصل الدولة عن سلطة الدين.

أما مفهوم العلمانية التي أتى بها أردوغان وحزبه فهي تحرير الدين من سلطة الدولة.. أي العكس تماما لما قامت به العلمانية الغربية.

فنزع هذا المفهومُ أي سلطة للدولة تستغلها لمحاربة الدين، خاصة الإسلام، وحفظ أيضا استغلال السلطة للدين وأصوله.

يمكن القول أيضا إن هذا المفهوم أعاد الدين إلى الحياة بعد أن كان محاربا مضطهدا ملاحقا، يسجن علماؤه ويتم الانقلاب على سياسييه، كما يحصل اليوم في بعض دول الشرق الأوسط تماما.. هكذا كانت تركيا سابقا مع المفهوم المتطرف للعلمانية، حتى جاء حزب العدالة والتنمية وأوقف هذا المفهوم السلبي المضر بالمجتمعات، وأحيا مفهومه الجديد، الذي تمكن من خلاله وبالحكمة والهدوء من إعادة الدين للحياة من جديد.

ليس المصطلح هو المهم، بل مضمونه، وخاصة في هذا العالم الظالم أهله وقوانينه الظالمة.. وما يجب أن يكون معايير رفض أو قبول هذا المضمون، هو مقاصد التشريع الإسلامي.

فإن وافق مقاصد التشريع فهو مقبول، وإن خالف هذه المقاصد فهو مرفوض.

يعني، مفهوم العلمانية الذي قدمه أردوغان (في ظل الظروف العصبة والحساسة والخطيرة في تركيا). هل وافق أو خالف مقاصد الشريعة؟!

في ظل التربص بالنهضة التركية الجديدة، لابد من حنكة وذكاء بالتعامل مع كل المتربصين، داخليا وخارجيا، فأبقى أهل الفهم والعقل المصطلحات، ولكن غيروا مفاهيمها بما تبدأ بالتطابق مع مقاصد الشريعة الإسلامية.. لماذا الشريعة الإسلامية بالتحديد؟؟
لأن الشعب 99% من الشعب التركي مسلم.

أليس من مقاصد الشريعة الإسلامية أن تكون الدولة الحاكمة عادلة تجاه رعاياها لأي دين أو معتقد انتموا.

أليس من مقاصد الشريعة الإسلامية أن تكون الدولة الحاكمة تحترم كل رعاياها بغض النظر عن دينهم أو فكرهم أو معتقدهم.

أليس من مقاصد الشريعة الإسلامية ألا تكون الدولة الحاكمة قامعة للحريات وخاصة الدينية منها.

وهذا هو مفهوم العلمانية التي جاء بها حزب العدالة والتنمية وأردوغان في وقت كانت فيه العلمانية المتطرفة تقمع كل هذه المفاهيم الإيجابية.

مفهوم لا يعادي الدين ولا يصادر الحريات الدينية.. أوليس هذا ما جاء به الإسلام من السلام والتعايش مع الأديان والمذاهب الموجودة في بلاد المسلمين، وكل هذه القيم موجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

وهذا ما أتى به حزب العدالة والتنمية وأردوغان من مفهوم جديد للعلمانية أن تعيش كل المجموعات الدينية والفكرية بالطريقة التي يريدونها، والتعبير عن أفكارهم كما يؤمنون بها، وقيام الدولة بتأمين كل المعتقدات، والاجتهاد بتأمين مصالح الناس بما لا يتعارض مع أسس الدين.

العالم محكوم اليوم بنظم علمانية متطرفة وسياسات ظالمة لا تهتم لا بإنسانية ولا بحقوق إنسان ولا بدين ولا بأخلاق.. لذلك فإن المسلم الساعي للعمل الطيب العادل التنموي في هذا العالم عليه أن يكون حكيما هادئا ذكيا غير متسرع وغير مندفع لعواطفه، يعرف متى يضرب ومتى يتقدم ومتى يتراجع ومتى يتكلم ومتى يسكت، وذلك كي يتمكن من تحقيق ما يريد وما أتت به الشريعة الإسلامية.

رغم كل ظلم العالم للإنسانية والأديان والأخلاق.. مازال هناك بصيص أمل وصورة نجاح نشهدها بأم أعيننا فلا داعي لفقدان الأمل ولا داعي لليأس.